الجمعة، 8 فبراير، 2013

لابد من صنعاء وإن طال السفر!






لماذا حين نسرد ما نريد نرى أنفسنا ننتقل من محطة لأخرى متجاهلين العديد من المحطات في المنتصف؟ لماذا هناك بعض الفترات في حياتنا كأنما تم إزالتها نهائيا من الذاكرة؟ ولا حتى رائحة ما تبقى بين طيات الذاكرة! يجوز لأننا لا نريد مجرد التذكر أننا مررنا بتلك الفترات و عانينا منها ما عانينا .. وعلى النقيض تماما، هناك فترات في حياتنا يبقى عبقها في الذاكرة يدوي، يزيد يوما بعد يوم و نتمنى لو عدنا لتلك الأيام التي تم حفر دقائقها في أعمق بقاع القلب والروح ضاربة بالزمن الجاري عرض الحائط.

عن صنعاء أتحدث .. المدينة التي تفوح روائح التاريخ العبقة من جميع أركانها .. كنت أشرد بتفكيري حين أتخيل عدد السنين التي مرت على هذه الأحجار و عدد الناس الذين مروا بهذه المدينة على مر الزمان ..
جاء في كتاب الإكليل للمؤرخ أبو محمد الحسن الهمداني أن سام عليه السلام ابن النبي نوح عليه السلام فكر في السكن في أرض الشمال فأقبل طالعا من الجنوب يرتاد أطيب البلاد حتى صار إلى الأقليم الأول فوجد اليمن أطيبه مسكنا وارتاد اليمن فوجد حقل صنعاء أطيبها فوضع مقرانهُ - وهو الخيط الرفيع الذي يقدر به البناء إذا مد بموضع الأساس - فبنى الركن الذي يوضع عليه الأساس فلما ارتفع الركن بعث الله طائرا اختطف المقرانة وطار بها وسام يتبعه لينظر أين يسقطه، فتوجه الطائر إلى جيوب النعيم، ما ارتفع من الأرض ودون الهضبة، من سفح جبل نقم، فوقع بها، فلما اقترب منه طار بها وطرحها على حرة غمدان ـ والحرة بلهجة أهل اليمن هي الأرض المدرجة في المرتفعات ـ فلما استقرت المقرانة على حرة غمدان علم سام أنه قد أمر بالبناء هناك فأقام قصر غمدان وحفر بئره.



أتذكر حين كنا نخرج من بوابة جامعة صنعاء (حيث كنا نسكن في سكن الأساتذة هناك)، كان أول ما تقع عيني عليه هو النصب الجميل الشامخ والمحفور عليه حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: الإيمان يمان و الحكمة يمانية .. على مدى السنين التي عشتها في صنعاء أجزم بالفعل أن الإيمان يمان .. قلوب الناس هناك نقية وصافية بطريقة لم أرها أبدا في أي مكان آخر .. طيبة الروح التلقائية تراها في الأعين مرسومة و مبتسمة .. الإيمان مزروع عميقا حتى لأنك تحسه يخرج في هالات حول البعض منهم.
نقل الرازي في كتابه عن وهب بن منبه أنه قال: قرأت الكتب التي أنزل الله تعالى فإذا فيها :
( آزال كلٌ عليك ، وأنا أتحنن عليك ، آزال بورك فيك وما حولك)
وروى وهب أيضا أن أهل اليمن اجتمعوا في الجاهلية يريدون غزو صنعاء حتى أقبل طائر في منقاره كتاب فألقاه بين أيديهم فيه " بسم الله الرحمن الرحيم " ومن الله تعالى لا من أحد سواه .. من أراد بصنعاء سوء كبه الله على وجهه.

مهما كان ما قيل الأثر .. تبقى صنعاء المدينة التي لا يمكن أن تمحوها من ذاكرتك أبدا .. حين أقرأ اسمها لا أدري .. تتزاحم كلمات عديدة في بالي لا رابط بينها ولا رباط سوى صنعاء .. 
البخور، الجو الربيعي طوال السنة، الحنّاء ،عبد العزيز المقالح، آزال، شارع حدة، باب اليمن، أروى، الفضة التي لا يمكن أن تجدها في أي مكان آخر في العالم، القات، حفظة القرآن، المقرمة، شارع الزبيري، الفحسة تغلي داخل المدرة، الجعالة، الجنبية ، ليالي التراويح في رمضان، الخضاب، ميدان السبعين و أغنية يا بنات صنعا القديمة.

إن لم ترَ صنعاء فأنت لم ترَ العالم بعد! في عصور خلت و أزمنة مضت قال الإمام أحمد بن حنبل وهو يترك العراق قاصدا صنعاء .. لا بد من صنعاء و إن طال السفر!
و اليوم أقلب نظري في الخارطة و أتصفح دول العالم في الأطلس و أردد بيني و بين نفسي بصوت هامس:

لابد من صنعاء وإن طال السفر
لا بد من صنعاء إن طال السفر
لابد من صنعاء وإن طال السفر