السبت، 17 نوفمبر، 2012

يا من أسموكم أشقائي!




كنت أقلب بين دفاتري القديمة متصفحة إياها .. حتى استوقفتني صفحتين جعلاني أردد في رأسي .. ما أشبه اليوم بالبارحة!
قبل ما يقرب من عشر سنوات .. تحديدا في تاريخ ١٦ فبراير ٢٠٠٣ .. كتبت قصيدة .. حين قرأتها الآن أدركت كيف تمر السنين و بعض القضايا لا تزال عالقة تنتظر أيد سحرية لحلها!!
القصيدة تقول:

إبكِ ..
ما عاد لك سوى البكاء
و اذرفي من عينيك دمعاً
يشعل في حرقة .. أبواب السماء
لعل إخوتك حين يرون 
نارا تسقط على جباههم 
في ظلمة المساء
يتساءلون .. أقامت الساعة؟!
وتلك جهنم تكافئنا ..
على ما اقترفنا مُرّ الجزاء!
علّهم حينها يتذكرون
و يسمعون على عجل نداء
كنت تستجديهم فيه
منذ عقود مضت 
ولم تلق منهم .. إلا الجفاء
فأخبريهم حينها
لم تكن تلك الساعة
رغم أنها حق لها أن تقوم
على شرذمة من جبناء أدعياء
لكنها كانت بضع دمعات
أرسلتها مقلتي في عناء
في وقت أرى فيه بني يعرب
قد أضاعوني 
في بلاهة .. في حمق .. في غباء
باعوني .. ثم عادوا يفاوضوا
ألد ما عرفت من أعداء
و يريدون الآن أن يشروني 
ببضع عهود سلام ..
يا للازدراء!
ماكنت لأعود يوما 
دون سيف .. أو رصاصٍ
دون دمٍ .. أو فداء
فامسحي دمعك الغالي 
واحكي لهم
عن البطولة .. عن الشهامة .. عن الوفاء
عن صلاح الدين و عمر
عن كل شبر أرضٍ ..
عن كل قطرة ماء
و اتركيهم ليروا ذاك الحطام
و هاتيك البقايا
وما استقر على الأرض من أشلاء
ثم اسأليهم
أي سلام على أرض 
يراق عليها دم الطفل 
و تصم الآذان فيها 
عن أنات النساء
أما حق لعيني أن تدمع 
و قد مزقوني .. دمروني
و أضاعوا حتى الكبرياء
خدعوا الدنيا ..
وقالوا هيكل مزعوم
مللت .. مللت الإدعاء
هدموني فوق رؤوس أبنائي
كي يعيشوا هم في هناء
سخروا منكم أمامكم
و قالوا عنكم
ارهابيون أشقياء!
أرقتم ماء وجهي 
و أنتم غضنفر
أمام كلب عشق العواء
ماكان لحثالة القوم يوما
أن يعيثوا فسادا 
في أراضي الأنبياء
لولا صمتكم
يامن أسموكم أشقائي
لولا ما وقعتم فيه من رياء
أواه يا أمة العرب ..
كلكم صرتم سواء
أواه يا أمة العرب 
نشدتكم .. 
و أضعتموني هباء




السبت، 1 سبتمبر، 2012

أيلول





و جاء أيلول ..
وفي أيلول دوماً ..
 موعدٌ مع القدرْ
في أيلول .. 
سرٌ غامضٌ
لا يدري عنه البشرْ
فيه ذاك الجنون ..
عقلٌ .. يسهو
إذا ما القلبُ .. أمرْ!
تصبح الشمس معشوقةً
و تهيم بلهفةٍ
عيوننا نحو القمرْ
نرنو فيه نحو الفضا
ولا يحيا في أيلولُ 
لا همٌ .. 
ولا غمٌ 
ولا حتى كَدَرْ
تصفو السماء فجأة ..
يهدأ الكون بأكمله
و يخفت همس المطرْ
ويعلو صوت الحنين
ويعلو .. ويعلو
ولا يقدر عليه .. 
إلا من على الصبر .. قدرْ
فيه حرائقُ تشتعلْ
تذيب أرواحاً ملهوفةً
ثم تمضي ..
 لا تبقي .. ولا تذرْ
هو شهرٌ .. 
 المعجزات فيه
خبرٌ مملٌ ..
لا يلفت حتى النظرْ
تقلبٌ .. 
ترقبٌ ..
تهيبٌ ..
من بدء رائحة الصبح
و حتى أوقات السَّحَرْ
يصبح المستحيل ممكناً
في أيلول ..
لكل من بهمسةٍ
من سحره .. قد ظََفَرْ
يزهر البنفسج في أيلولُ
أو هكذا أظنُّ ..
في خيال قلبي المنهمرْ
سحرُ العيون ذاك فيه
يفتكُ .. و يقتلُ
فيه عدوى .. تنتشرْ
يتسلل فيه الفرح إليك
و يطرق بابك ..
يستأذنك .. فأذن له
وإيّاك إيّاك و الحَذَرْ!
أيلولُ بدأتَ تواً .. 
فلا تنجلي ..
حتى توقن 
بأن أمنيات قلبي صارت ..
عالما جديداً
واقعاً
مثل موج البحر .. يهدُرْ!
رفقاً بي أيلولُ
لا تنقل إليَّ تقلّبك ..
ولا تألّبك ..
ولا تطلّبك ..
و زدني في حضرتكَ .. 
على عمري .. عُمُرْ!

السبت، 25 أغسطس، 2012

عن "TED" والفرق بين أن .. وأن .. !!





قبل عدة أشهر سنحت لي الفرصة لحضور مؤتمر تيد لأول مرة و تيد لمن لا يعرفها كما ورد في ويكيبيديا:"تيد (بالإنجليزية: TED) هي اختصار لتكنولوجيا، ترفيه وتصميم (Technology Entertainment and Design) وهي سلسلة من المؤتمرات العالمية التي ترعاها "مؤسسة سابلنج الأمريكية" وهي مؤسسة غير ربحية خاصة شعارها "أفكار تستحق الانتشار".


تأسست تيد في عام 1984 كحدث لمرة واحدة. وقد بدأ المؤتمر السنوي في عام 1990، في مونتري، كاليفورنيا. كان تركيز تيد المبكر على التكنولوجيا والتصميم متوافقاً مع نشأتها في وادي السيليكون. وتعقد الفعاليات اليوم في لونغ بيتش ولونغ سبرنغ في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وآسيا مترافقة مع بث حي للمحادثات التي تتناول مجموعة واسعة من المواضيع في مجال البحث والممارسة العملية للعلم والثقافة، ويتم ذلك غالباً بطريقة سرد القصص. يعطى المتحدثون 18 دقيقة كحد أقصى لعرض أفكارهم في أكثر الوسائل ابتكاراً وإثارة للاهتمام."


بالعامية المؤتمر هو مكان وتجمع ملئ بالطاقة الإيجابية، بالنماذج الرائعة، بالأشخاص والتجارب التي تجعلك تخجل من كونك انسانا كاملا مثلهم و لم تضف للحياة شيئا بعد!


بدأ المؤتمر بعدة محادثات متميزة لأشخاص شباب أحدهم قام بإنشاء شركة ترعى الأفكار: يأخذ الفكرة من مبتكرها و يعاونه لجعلها واقعا ملموسا، أكثر ما شدني هو شكوته من الذين يأتون إلى مكتبه يخبروه أن لديهم فكرة قد تبيض له ذهبا! وحينما يتحمس و يشير برأسه انتظارا للفكرة يجيبه صاحبها: عفوا لن أستطيع أن أخبرك بها لأنني لا أثق بك و أخاف أن تسرقها! 

دوما كانت ولا زال لدينا مسألة انعدام الثقة هذه .. والمشكلة أن هذه الأفكار في النهاية يتضح أنها لم تكن لتبيض أكثر من تضييع لوقت مبتكرها و ممولها إن وجدت لها ممولا!


الفقرة الأكثر تشويقا و الأكثر إبهارا كانت عندما تقدم على المنصة شخص يدعى إيثور بيندر .. بدأ إيثور بالتحدث و كان حديثه يتركز على الثورة الحديثة في علم الميكانيك والألكترونيات وكيفية إقحام البرمجيات الذكية في كل تفاصيل الأعمال اليومية حتى أصبحت الروبوتات شيئا يمكن ارتداؤه .. وكيف أن ماكان في الأمس يعتبر معجزة أصبح اليوم واقعا ملموسا!

لم يكن هذا الكلام كله مفهوما حتى بعد تقديم عرض مبسط عن اختراعه الجديد الذي أسماه "إكسو" ولكن المفاجأة عندما بدأ في عرض تجربة حية لجهازه على المنصة .. جاء بشاب مقعد عمره ٢٤ عاما على كرسي متحرك، تحدث الشاب كيف أنه أصيب بالشلل بعد حادث مروري قبل سنتين و أنه منذ ذلك الوقت و هو حبيس الكرسي المتحرك .. قصة مكررة و معادة ملايين المرات و نراها أمامنا في كل مكان والقليل منا فقط يعرف صعوبة تفاصيل الحياة اليومية لمن ابتلاهم الله بهذا الحال!


ألبسوه الجهاز وكان عبارة عن قضبان معدنية متحركة يتم ربطها بكل سهولة على أرجل المصاب و خصره ويقوم المشلول بالقيام بكل حركات الإنسان الطبيعي بكل سهولة! يعتمد الجهاز على روبوتات صغيرة جدا تقوم بعمل المفاصل عند الركب كي يستطيع أن يثنيها الشخص و يصعد السلم و يسوق السيارة و غيرها من كل ما يمارسه الأشخاص الأصحاء.


المشهد عندما استطاع هذا الشاب أن يقوم من الكرسي و يمشي على قدميه بكل سهولة كان ملحميا! لم أستطع أن أمنع دموعي من السقوط تأثرا بالمشهد و أنا أفكر بالأمل الذي أصبح متوفرا لكل عاجز أن يعود و يمشي مرة أخرى .. ضجت القاعة بالتصفيق و وقف الجميع اعترافا بهذا الاختراع الرائع الذي اعطى البشرية شيئا سيساعد الملايين أن يتحولوا من عاجزين و طالبين للشفقة إلى أشخاص طبيعيين و منتجين في الحياة.


بعد فترة صعدت إلى المنصة دكتورة .. طبيبة حصلت على براءة اختراع لاكتشافها كيفية تحديد الخلايا السرطانية لمرضى اللوكيميا (سرطان الدم) .. كيفية توصلها لهذه الخلايا و أهمية هذا الكشف لم تأخذ أكثر من ثلاث دقائق من وقتها .. والبقية الباقية كانت عن صعوبة حياتها و هي تحاول أن تدرس الدكتوراه في بلاد الغربة و كيف تركت ابنها الصغير و دمعته على خده (وعرضت فعلا صورة لابنها و هو يبكي!) .. ومن ثم وضحت كيف أن دموع ابنها تحولت لفرحة بعد أن أصبح فخورا بأمه التي حصلت على الدكتوراه (وعرضت صورة لحفل تخرجها!) و صاحبت بكلامها لقطات من الأماكن التي شهدت جدها و اجتهادها من البحيرات التي كانت تسهر على ضفافها و هي تعاني و تبكي!!


و ختمت الدكتورة كلامها بصور عن الأماكن التي كرمتها والجوائز التي حصلت عليها و كيف تم اختيارها امرأة العام في بلدها و عرضت صورا لها و هي على غلاف مجلة أو اثنتين بالاضافة الى صور للمقابلات التي أجراها معها الصحفيون!


شتان و فرق كبير بين هذه و ذاك! بين أن تدع إنجازاتك تتكلم عنك و بين أن تعطي لنفسك أكثر من حقها .. بين أن تصبح سببا لخير البشرية و لا يعنيك هذا في شئ سوى أن تضع بصمة في هذه الحياة وبين أن تباهي الناس بانجازاتك و ترائي بها كأنك تمن عليهم بشئ أضفته لنفسك قبل أن تكون نيتك إضافته للناس!


ماكان النجاح يوما شهرة وصور .. وما كان النجاح يوما ضجة اعلامية تصاحبك أينما كنت! النجاح الفعلي هو أن تحدث تغييرا فعليا و ملموسا في حياة الملايين و أن لا تفرح بنفسك (و إن حق لك هذا) أكثر من فرحك لفرحة كل انسان سيتذكرك بأنك أنت من جعلك الله سببا لعودة الحياة إلى أطرافه!


من تواضع لله .. رفعه!




الاثنين، 18 يونيو، 2012

حلم صغير!






هذا الفيديو حلم صغير .. تمنيت أن يتحقق في خمس سنوات .. و إن لم يحدث سأنتظر عشر سنوات أخرى كي أقوم بصناعته بنفسي! 
نتذمر كثيرا من نظرة الغرب السيئة لنا .. فلنريهم على الأقل بلغتهم هم ما نريدهم أن يفهموه!
هذا الفيديو هو أول فيديو أقوم بتجميعه .. قد لا يكون العمل إحترافيا ولكنه على الأقل يستطيع أن يوصل الفكرة و الحلم! 

الأربعاء، 6 يونيو، 2012

حياتي!




كانت هناك مرة ..
ظننتُ فيها أن موعدي ابتعد عني ألف مرة ..
وددت لو أستطيع ..
فقط لو أستطيع ..
أن لا أكون فرداً جاهلاً ..
ضمن هذا القطيع ..
أن لا أفكر و أفكر ليل نهار ..
كيف انتهى ذاك الحلم ..
وكيف ذوى نجمي وسط البحار ..
كيف في هذه الدنيا ..
يعيش من لا خيار له ..
و يموت من كان له الخيار؟؟
كيف أمست الدنيا مقلوبةٌ 
مسلوبةٌ .. 
منهوبةٌ .. 
من يحدد حياتك فيها ..
هو من لا دخل له فيها؟!
كأن حياتك أمر مشاع ..
للكل حق التدخل ..
وللكل حق التأمل!
ولكن لا أحد منهم ..
لا أحد ..
لحقّ الله فيك يراع!
هي حياتكَ أنتَ .. تصرخ
وليس لأحد غيرك ..
أن يحدد طريقها و المصير ..
يقولون و يقولون ..
أشياءَ و أشياء ..
و تبقى أنت تردد ..
الكلاب تنبحْ .. و القافلةُ تسير!

الاثنين، 27 فبراير، 2012

حكاية عن .... (٢)


وكل عام - حين يعشب الثرى- نجوع
ما مر عام و العراق ليس فيه جوع ..
و في العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
من زهرة يربها الرفات بالندى
و أسمع الصدى
يرن في الخليج
مطر
مطر

مطر

كيف علمت -رحمك الله- أنه ما مر عام و العراق ليس فيه جوع ؟؟ هل تعلم أنه منذ أن أتيت أنا إلى هذا العالم إلى الآن ما مر عام و العراق ليس فيه دم يراق؟؟ 

إلى أين وصلنا؟ نعم .. الحرب العراقية الإيرانية .. حرب الخليج الأولى .. قادسية صدام (الزفت) .. الدفاع المقدس (كما تمت تسميتها في إيران) .. أسماء عديدة لمجزرة من الطراز الأول! في أوائل سنين حياتي كان اسم هذه الحرب مبهما في بالي .. لم أعرف عنه الكثير حتى منّ الله علينا بهذا الاختراع الجميل المسمى بالانترنت .. غصصت غصة مريرة و أنا أقرأ أن أقل التقديرات لعدد القتلى في هذه الحرب هو مليون قتيل!! مليون شخص (أغلبهم شباب) دفعوا حياتهم ثمنا للاشئ!! لا شئ على الإطلاق! شخصان اثنان أحبا أن يعاندا بعضهما و كل منها يثبت أنه الأقوى فضحيا بمليون روح و بقيا هما على قيد الحياة!!
حرب استمرت ٨ سنين .. حرب استمرت ٩٦ شهرا مما جعلها النزاع العسكري الأطول في القرن العشرين!! يا فرحتي! نحن لسنا بالشئ الهين .. دخلنا التاريخ من أوسع أبوابه كالشعب الأرخص دما!
مليون شهيد الجزائر كانت لطرد الاحتلال الفرنسي من بلدهم .. كانت مجدا و استشهادا .. ولكن ما فعله صدام (و أكرر -الزفت-) هو مجزر أفلتت من براثن التاريخ.
جيلنا هذا لا يعرف شيئا عن هذه الحرب ولا حتى أنا كنت أعرف عنها شيئا .. إن لم تبحث عنها لن تصلك أخبارها .. تذكرت بيتا شعر محببان جدا إلى قلبي كنت أكتبهما في أغلب الأحيان على آخر صفحة من دفاتر المدرسة ..

ولما صرت في سن جدي 
و نظرت إلى مجد العراق 
صرت أعرف لماذا؟
دم مليون شهيد ..
لسعفة نخل يراق!

هل تستحق سعفة النخل هذه دم و أرواح مليون شهيد؟؟ لا أدري.
العراق .. الوجع الأكبر و الحزن الأعظم و لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا!

بعد سنتين فقط من انتهاء هذه المجزرة قرر السيد الرئيس القائد صدام (الزفت) أن يدخل في حرب أخرى مع دولة أخرى .. غزا الكويت .. و حصل ما حصل .. 

بعد أكثر من عشرة أعوام على غزو الكويت .. في مكان آخر تماما .. مدرسة مصرية (ذكرها الله بخير) .. في مدينة يمنية .. تحكي لطالباتها اللواتي بينهن فتاة عراقية .. تحكي لهن عن غزو الكويت (و الذي لم يكن موجودا في المقررات المدرسية) بالعبارات التالية نصا:
(إنتو ما تعرفوش العرائيين عملوا إيه في الكويت؟؟ دول كانوا بيدخلوا البيوت و يخرجوا الطفل من بطن الست الحامل بإيديهم .. دول كانو وحوش .. ده لو كفار مش هيعملوا اللي عملوه)
أتذكر وقتها إنني رفعت يدي و أخبرتها بصوت متهدج : لو سمحتي يا أبلة صدام و جيشه هم من غزوا الكويت و ليس العراقيون.
أجابت : ( و هما جيش صدام دول مش عرائيين؟؟ ياختي دول لو كانو يهود ماكانوش عملوا كده .. بنتكلم عاليهود ليه لما احنا فينا اشكال زي دي!)

جائزة كبيرة جدا لمن سيعرف ما الذي كنت اشعر به في تلك اللحظة بالذات؟! بغض النظر عن أن غزو الكويت هو كارِثة إنسانية و بكل المقاييس و لم يترك بصمتها على العراق إلا (الزفت) صدام ولكن أن تحترم مشاعر من هو أمامك من أساسيات الأخلاق!

لم أكن أبدا من محبي الدخول في سجالات و مهاترات لا طائل منها مع عقليات أنت تعرف مسبقا كل ما سيتفوهون به! ولكن اعتقدت منذ الأزل أن المشكلة الرئيسية التي أوصلت العراق إلى ما هو عليه هو الجهل! ليس الجهل العلمي و الأدبي فالعراقيون كانوا ولا زالوا من أكبر من يشار إليهم بالبنان في العلوم و الثقافة و لكن ما أقصده هو الجهل السياسي .. الجهل الديني .. الجهل العنصري .. الجهل الاجتماعي ...... الخ.

ليس العلم قراءة و كتابة .. و ماكان العلم يوما شهادة تحصل عليها من جامعة ما و تعلقها على الحائط أمامك .. اسأل نفسك قبل أن تناقش ماذا قرأت؟ من أين حصلت على معلوماتك هذه؟ إن كان جوابك الأول هو : سمعتهم قالوا .. فاقرأ على نفسك السلام.
لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
رحمك الله يا سياب .. كنت عبقريا فاق عصره حين قلت:

أيخون إنسان بلاده؟

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟

إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟

الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام

.حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق


يتبع ...

الجمعة، 24 فبراير، 2012

حكاية عن ...







لماذا تفاجئنا أحيانا هذه القطيعة بيننا وبين القلم؟ ألأننا كلما كبرنا و مضت بنا الأيام صرنا أقل بوحاً؟ أم هو ملل خانق يشعرك بأنه لا شئ مما يحدث يستحق الكتابة لأننا ببساطة نحيا في زمن نادرا ما تحدث الكلمات فيه فرقاً .. بل و قد تحسب عليك لا لك في معظم الأحيان.
المهم أنني الآن أريد أن أكتب .. ولكن أن تمتلك تلك الرغبة هي الجزء السهل من الموضوع .. حيث أن أصعب جزء هو عن ماذا تكتب؟ 


كنت ولا زلت دوما أريد أن أكتب عن كل شئ! أريد البوح بما يعتمل في نفسي من أفكار تجاه أدق التفاصيل في هذه الحياة .. لدي في جعبتي حكايا كثيرة .. كثيرة جداً لدرجة أني لا أدري بأيها أبدأ؟!
اعتقدت دائما أن خوفي من أن تكون كلماتي و ما أكتب مملة هي ما أبعدني عن القلم لسنوات.


لا أظن أنني سأبدع إن كتبت عن قرية خيالية و أجيال متلاحقة من التغييرات .. ولن أكون أول من يكتب في نوع معين من الأدب كأدب الرعب .. و أيضا لست ممن يستطيعون حشو كتاباتهم بأسوار شائكة و مواضيع حساسة بهدف جذب اهتمام القارئ و اتباع قاعدة خالف تعرف! 
ما أعرفه و متأكدة منه أن ما خرج من قلبك و بملء أحاسيسك سيصل أيضا لكل القلوب على الطرف الآخر .. قاعدة!
و بالتالي لنختصر الطريق و لا نسهب في المبررات لأنني سأكتب عني! أعطيك سبباً واحداً وجيهاً لهذا القرار و هو أنه لا أحد يعرف عني أكثر مني .. و أنه هناك كمية حكايات و تناقضات و تفاصيل في حياتي قد - و أؤكد قد - تختزل آراء و معاناة و تفاصيل حدثت في حياة العديدين ممن يشبهون جزءا مني في أزمنتي السابقة حينما لم أكن أجرؤ في الكتابة عني!


قبل كل شئ .. السطور الآتية - و التي ستستمر إلى أن يأذن الله - ليست سيرة ذاتية و ليست رواية و بالطبع ليست خيالاً علمياً! كل ما في الأمر أنها حكاية أحداثها و أبطالها و تفاصيل ملامحها واقعية مائة في المائة و على مسئوليتي الشخصية.بالطبع أنت تدرك أن معظم الأسماء لن تكون حقيقية إحتراماً لخصوصية أصحابها وبالطبع أيضاً لن أتطرق إلى التفاصيل الشخصية لأي من الأشخاص المذكورين من ضمنهم نفسي!


باختصار .. كل ما أريد البوح به هو حياة حقيقية تتكرر أحداثها كثيرا بين جدران عديدة في بلدان مختلفة عشت فيها و خالطت أهلها مخالطة قريبة و مرت أيامي كأني واحدة منهم .. عرفت الكثير الكثير مما يخالف الأفكار المغلوطة عن هذه البلدان.
قد يكون ما أكتب مملاً .. و قد يكون لا أهمية له .. و قد يحمل شيئا صغيرا يهمك .. لكن كل ما أريد هو أن أشاركك بعض ما لديّ لعل و عسى أن يجعل البوح حياتنا أجمل و أحلى.
هي حكاية روح .. حكاية حلم .. حكاية أمل ..


فلنبدأ إذاً .. بسم الله الرحمن الرحيم 




حكاية عن ..
فتاة عراقية (تحب مصر) بين العراق و اليمن و الخليج العربي


-١-

ولدت في مدينة أربيل عاصمة شمال العراق أو إقليم كردستان كما أصبحت تسمى الآن .. تنشقت أولى أنفاسي في الخامس عشر من شهر مايو .. لن تهمك السنة ولكني مازلت شابة و صغيرة فعلاً!
من يراني أكتب بالعربية الآن و أعشقها بهذا البذخ لن يصدق أنني لم أكن أتكلم العربية إطلاقا وبتاتا قبل سن خمس سنوات ولم أكن أعرف حرفا واحدا من اللغة العربية.
والدتي كردية و والدي عربي .. ولكنهما التقيا و تزوجا بين الأكراد ،، ولم يكن لدي في أوائل سنين حياتي من أكلمه بلغة غير الكردية ..

في سن الخامسة دخلت إلى روضة الأطفال و سرعان ما تركتها بعد ستة أشهر لأدخل المدرسة في سن مبكرة (قبل موعدي المقرر بسنة) و هنا كان قرار أهلي بأن يدخلوني في مدرسة عربية ،، وذلك لأنهم أرادوني أن أتعلم اللغة بدلا من أن أتقن الكردية و لا أفقه في العربية شيئاً !! 
مساكين لم يكونوا يتوقعون و يتصورون ما هو آت .. في أول أيام دراستي في المدرسة و انا ابنة خمس سنوات اندلعت حرب الخليج الأولى بعد اقتحام صدام للأراضي الكويتية!! (أعتقد أنك عرفت  في أي سنة ولدت؟!)

أنا عن نفسي لاأذكر شيئا عن دخول صدام للأراضي الكويتية .. كل ما أذكره هو عدة لقطات سأحكيها لك بعد قليل .. ولكن التفاصيل التي وردتني هي من أمي و أبي و أقربائي و أصدقائنا .. الكل يتفق أنهم صدموا بشدة حينما سمعوا من نشرة الأخبار بخبر غزو صدام للكويت .. لم يكونوا قد تعافوا بعد مما حل بهم من ويلات الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات و حصدت من أرواح الشباب العراقي ما يزيد عن مئات الآلاف دون ذنب لهم أو خطيئة سوى أن مريضا نفسيا محبا للحروب قرر أن يزج بهم في تصفية حسابات لا ناقة لهم فيها ولا جمل!
خالي و عمي كانا مجندين في الجبهة و والدي  كان من المجندين الإجباريين في ما يسمى الجيش الشعبي و هو جيش يتكون من أشخاص غير مدربين و ممن هم على الأغلب تعدوا سن الثلاثين و صدر لهم عفو من الخدمة العسكرية حسب القانون آنذاك مع ملاحظة أن والدي في تلك الأيام كان أستاذا في الجامعة و كان عائدا لتوه من منحته لدراسة الدكتوراه في المملكة المتحدة!


هناك العديد من الحكايات الطريفة أو بالأصح - المضحكة المبكية- التي يحكيها خالي و عمي عن الحرب العراقية الإيرانية كان عمي في ذلك الوقت يعمل كمساعد مخرج في التلفزيون العراقي ، و كان الآمرون عليهم في الجيش هم من رجالات حزب البعث الأشداء - هنا لا تعني الكلمة القوة و الشجاعة ولكن تعني الخسة و الدناءة و التسلط و كل مرادف يأتي ببالك لهذه الكلمات - و كانت الإجازة حلماً غالياً يراود كل مجند في هذه المعسكرات ولكن لم يكن الجميع قادرين على دفع ثمنها حيث أن ثمنها لا يقف عند النقود فقط و لكن كل ما تستطيع أن تشتري به ذمة من يرأسك مباح!

صدف أن ابنة آمر عمي في الجيش .. الإبنة المدللة له كانت تعشق نوعا معينا من أفلام الرسوم المتحركة و بسبب جو الحروب و بيانات السيد الرئيس القائد التي كانت تبث تباعا لم تكن هذه الحلقات تبث بانتظام و كان يتم اقتطاع اجزاء كثيرة منها كي يكفي الوقت ليشجي الرئيس شعبه بأنباء انتصاراته المهولة على العدو الغاشم!!
لهذا استطاع عمي أن يحظى بإجازة مقابل المجموعة الكاملة لهذه الرسوم المتحركة مهداة لابنة الضابط المهاب! (لاحظ أنني أتكلم عن بداية الثمانينات حيث لم تكن حتى شرائط الفيديو شيئا شائعا و كانت هذه الأفلام حكرا على أرشيف التلفزيون العراقي هناك).




يتبع ..... 

السبت، 4 فبراير، 2012

أعترف بأني أحبه ..

نعم أحبه ..
و أحبه جدا جدا .. لا أعتقد أن هناك بشرا في هذه الدنيا أحب أحدا مثلما أحبه .. هل شعرتم من قبل بهذا الإحساس الجارف بالشوق ؟؟ أن تحس أنك تحتاج شخصا ما في حياتك جدا و تبدأ تقلب في أي شئ له علاقة به لعل هذا الشوق يهدأ قليلا..


أجمل شئ في هذه الحياة عندما يختلط الحب بالإعجاب .. بالاحترام .. فتحس أنك مشاعرك كاملة .. كيف لي أن لا أحبه ؟؟ هل هناك من لا يحبه ؟؟ 
هو أيضا يحبني .. قال لي مرات كثيرة أنه يشتاق لي جدا و يتمنى أن يراني .. وقال أنه يحبني أيضا .. ماذا تريدون بعد هذا كله؟؟ 


أجمل شئ في الحب هو الثقة .. حينما يربكني جميع المحيطين بي و كل يفتي برأيه في مشكلة ما و حتى آيات القرآن يفسرونها كل على طريقته .. ألجأ إليه هو وحده فأجد عنده الحل بسيطا .. واضحا .. و أحبه أكثر!


أتذكر أنني شكوت له في مرة و قلبي يحترق عندما كنت صغيرة أن العديد ممن أعرفهم يعتبرونها من الصداقة القوية و القرابة أن يسبوا الشخص بالام او الاب على سبيل المزاح .. لكني لم أستطع أن افهم إلى الآن ما الهدف من الموضوع ؟؟ أن ناديت شخصا و انت تضحك "يا ابن الكلب" و المقابل أيضا يضحك .. مالذي يضحكهم؟؟ ماهو الشئ الرائع في أن يكون لسانك قذرا؟؟ فأجابني هو : " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قلت و كيف يلعن الرجل والديه؟ قال لي: "يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه و يسب أمه". فعلمت أني على حق!


وشكوت له كيف أنني أحس أنني أذنب كثيرا و لا أفعل جميع ما أمرني الله به لضعف في نفسي .. قال لي: "الصدقة تطفئ غضب الرب" .. قلت له إن جميع من حولي يتحججون بالغلاء و ضيق ذات اليد .. لهذا لا يتصدقون كثيرا قال لي: " مانقصت صدقة من مال .. بل تزده بل تزده بل تزده" و فعلت ما قال لي و ووجدته حقا.


و حين شكوت إليه ندمي على شئ فعلته و تمنيت لو يعود بي العمر إلى الوراء فأتصرف بطريقة مختلفة وكيف أن الكثير من الناس ليس لديهم ذلك الطموح اللازم كي يرتقي الإنسان في حياته و يصبح يوما فيوما أفضل و أفضل ويتحججون بالقناعة مقنعين أنفسهم أن هذا هو الصحيح .. غضب علي قليلا و قال لي: " المؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، إحرص على ما ينفعك و استعن بالله ولا تعجز ، فإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا و كذا ولكن قل: قدر الله و ماشاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان"


ومن أكثر ما أتذكر .. حين أتيته أبكي يوما و أشكو إليه كيف أن الناس أصبحت لا تفكر إلا في إرضاء الناس .. يخرب الشخص حياته و يتخذ قراراته على ما يظن الناس و يريدون .. يحرم الحلال لأن الناس يرونه حراما ، و يحلل الحرام لأن الناس يرونه "عادي" !! 


وقتها أعطاني كلمات أعلقها أمامي دائما كي لا أنساها:
"إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله و إذا استعنت فاستعن بالله، و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك و إم اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام و جفت الصحف"


كيف تستطيعون أن لا تحبوه؟؟ اليوم ذكرى مولده .. كثيرون يقولون أنه لا يحب أي شئ من هذا القبيل .. ولكنني أحبه ، و سعيدة جدا أنه في مثل هذا اليوم أتى إلى هذه الدنيا و أضاء حياتي و حياة الملايين غيري إلى يوم الدين.


لا أستطيع أن لا أحس بالسعادة في يوم كهذا .. قد لا أقيم له احتقالا ولكنني سأحتفل بهذا اليوم بطريقتي الخاصة .. سأذكره كثيرا .. الله يحبه و قال في قرآنه الكريم : (إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما).


اللهم صل على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم و على آل سيدنا إبراهيم ، وبارك على سيدنا محمد و على آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم و على آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين و صل على سيدنا محمد في الآخرين و صل على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.
اشتقت إليك كثيرا يا رسول الله .. 



الثلاثاء، 31 يناير، 2012

عن الميتافيزيقيا .. و الدكتور أحمد خالد توفيق




كنا صغارا .. مراهقات .. و لكننا كنا نقرأ و نتناقش و نتأثر و نتجادل لساعات و ساعات.
و كان مصاص الدماء و المستذئبون ثم  حسناء المقبرة و رأس ميدوسا و التاروت  ثم رعب المستنقعات ثم سالم و سلمى ثم هن-تشو كان ثم لوخ نس ثم الميتادور ثم الجاثوم و لوسيفر وكهوف دراجوستان ..

كنا طالبات في السنة الأولى من المرحلة الثانوية .. أردنا أن نعرف أكثر .. كاد الفضول أن يقتلنا .. هل هذه الأشياء حقيقة أم أن الدكتور أحمد كان يدحض وجودها كي لا يختبر فضولنا إن قيل لنا أن هذا العالم المحكي هو حقيقة.
تفتقت أذهاننا العبقرية أنا و صديقتي (الأنتيم) عن فكرة بحث .. لم لا نكتب بحثا عن الميتافيزيقيا أو (علم ما وراء الطبيعة)  بعوالمه المختلفة و بعيدا عن الدكتور أحمد و عن رفعت اسماعيل؟ 

و أتى معرض الكتاب و ذهبنا بنية استكشاف و شراء أكبر عدد ممكن و مفيد من الكتب الجادة و العلمية و التي لا مجال فيها للخيال (كانت هذه العملية صعبة آنذاك نظرا لضيق الميزانية لدى طالبتين!)
اشترينا الكتب و قسمناها .. أنت تقرأين النصف و أنا النصف (النصف الخاص بصديقتي كان عملية صعبة إذ أن هذه الكتب كانت محظورة عليها بتاتا بأمر من السيدة الوالدة)  ثم  نلخص ما قرأناه ثم نناقشه سويا .. اوكي؟ اوكي.

و كانت أول ليلة ..
و طلع النهار ..
و التقينا في المدرسة ..
و نظرت إحدانا في عين الأخرى ..
وجوم و تبلد انقلب إلى ضحك هستيري ..
عرفنا أن كلتانا لم تنم الليل و أن ما كان موجودا بين طيات تلك الكتب ليس يسيرا البتة .. و ليس مضحكا مثل رفعت اسماعيل .. وليس ممتعا مثل سالم و سلمى .. هناك أبحاث و تجارب و نتائج و صور و الكثير يؤكد و الأكثر يرفض..خرافات و حقائق علمية امتزجت سويا فأصبح من العسير الفصل بينهما ..

تعمقنا أكثر في أي شئ و كل شئ يندرج تحت علوم ما وراء الطبيعة .. أحسست بالدهشة و الفضول يسحبانني و يغرقانني في رمال متحركة بسرعة خرافية .. قسمنا البحث إلى أبواب و فصول و بدأت العناوين تتضح .. التقمص .. تحريك الأشياء بقوة العقل .. الفضاء الخارجي .. الأرواح وحياة البرزخ .. نوستراداموس و التنبؤ .. العوالم المتوازية .. قارة أطلانتس الضائعة .. حضارة كريت المنقرضة ...وحش لوخ نس ..... الخ

أصبحت المناقشات بيننا حادة و فترات الصمت تصبح أطول فأطول .. أتذكر وقتها أنه أتت فترة امتزج الواقع بالخيال تماما و تلاشى الخط الفاصل بينهما وكنا نجد العديد من الدلائل الشرعية التي تؤكد العديد من هذه الظواهر مما يؤدي بنا إلى زيادة احتمالية تأكيدها و حدوثها فعلا.

حتى أتت تلك الليلة ..
كنت قد تعودت في الفترة الأخيرة على عدم النوم .. كلما أردت أن أغفو دارت ببالي مليون فكرة أقلهم شأنا كانت قادرة على أن تجعل النوم يجافيني لليال متواصلة.
ولكنني ليلتها غفوت قليلا .. و ما إن مرت على غفوتي أقل من ربع ساعة ..
حتى قمت مفزوعة أصرخ إذ رأيت حلما داخل حلم .. من هذا الطراز الذي ناقشه فيلم (Inception) العام الماضي .. و كانت المرة الأولى التي أحس فيها فعلا بأنني خائفة.

للعلم فقط .. أنا من النوع الذي لا يخاف من أي شئ من هذه الأشياء العادية التي تخيف مع .. لا ظلام و لا حشرات ولا وسواس ولا حتى ارتفاعات و أماكن مغلقة .. لذلك كانت هذه الفزعة ناقوس خطر ينبهني إلى أنني قد أفقد عقلي قريبا جدا ..
الفقرة الأجمل أن المناقشات بيني و بين صديقتي وصلت ألى مرحلة أنه في حالة إن ماتت إحدانا فسوف نرتب الموضوع بأن تظهر التي ماتت للأخرى!

أنهينا البحث .. و طبعناه و غلفناه و أصبح تحفة بحد ذاتها .. نشرناه في معرض مدرسي و كتبت عنه جريدة رسمية عن أن طالبتين في الثانوية (مع ذكر اسمينا طبعا) قامتا بعمل بحث عالي الجودة عن علم يسمى بماوراء الطبيعة و و و .......
آرسلنا نسخة مغلفة عبر البريد المستعجل للدكتور أحمد خالد توفيق (كما تتوقعون فلم يعبر أشكالنا بتاتا و إن كنت شبه متأكدة أن البحث لم يصل ليديه أصلا).

وذات نهار .. أمسكنا أستاذ عزيز جدا .. هو قمة في الثقافة والأخلاق و الأسلوب العلمي الراقي .. سألنا عن البحث و اندهش من المعلومات التي حصلنا عليها (كنا أنا و صديقتي دودتا بحث بكل ما تعنيه الكلمة من معان) و صارحناه بالمخاوف و الأفكار التي تدور في بالنا و ابتسم .. صحبنا معه في جولة في ساحة المدرسة الفارغة و بدأ يحكي لنا عن نفسه و كيف أنه كان طالبا في السنة الثالثة في قسم الفلسفة حين حصل له بالضبط ما حصل لنا .. ولكن حالته تطورت كثيرا وانعزل عن العالم و غرق في التأمل وبدأ يبحث عن مكنون الحياة و الموت و حاصرته الأسئلة حتى وصل إلى الذات الإلهية.

حينها ـ كما أخبرنا ـ اتخذ قرارا مصيريا بأن يترك الفلسفة قبل أن تتسبب في منعه أن يحيا حياة طبيعية و انتقل لدراسة الجغرافيا .. نصحنا أن نبقى على اطلاع و لكن مثل هذه الأمور التعمق الزائد فيها قد يؤدي إلى نتيجتين : إما أن نصبح عالمتين بارزتين و نوستراداموسات العصر الحديث .. أو ينتهي بنا الحال في مصحة الأمراض العقلية! (وبالمناسبة صديقتي هذه والدتها طبيبة نفسية و تمتلك مصحا مشابها!)

ضحكنا يومها و اتفقنا أن نبتعد على الأقل مؤقتا عن هذا العالم و نسعد قليلا بالانجاز الذي حققناه .. وشيئا فشيئا عاد كل شئ إلى مجراه الطبيعي و لكنني تعلمت شيئا مهما جدا ..
هذا الأحمد خالد توفيق هو عبقري فعلا!! أن تخبر الناس بكل هذه الفظائع و بطريقة علمية و تجعلهم يموتون من الضحك في نفس القصة لهو أمر فائق العبقرية!

و بقينا نتابع رواياته إلى اللحظة الحالية . وما زلنا نتعقب مقالاته مقالا مقالا .. ومازال هذا الرجل يبهرنا أكثر و أكثر بعقليته الموزونة و بساطة إسلوبه اللامنتاهية و ثقافته واطلاعه التي تجعلك تحس أنك لم تقرأ شيئا في حياتك رغم أن أقرانك يعتبرونك دودة كتب!


بهذه المناسبة تحية حب و إجلال و تقدير و امتنان لهذا الطبيب و الكاتب الرائع .. أنت ساهمت في إنشاء جيل بأكمله يعتبرك رمزا من رموزه .. نتمنى لك التوفيق دائما و دمت ميتافيزيقيا حتى إن قررت إيقاف السلسلة!

الاثنين، 23 يناير، 2012

فلسفة!!



نرنو إلى الحياة ..
هاهنا
يعلو علينا هدير الصدى 
و يمقتنا النَّوى
لم نخلق له يوماً ..
و لم يخلق لنا
ألق المساء أطلَّ علينا 
ضياءٌ ساطعٌ يهز الروحَ
أدار الرؤوس ..
و دار بنا
أردنا ترك هذا الضجيج
و لكنه لم يرد أبداً ..
تركنا
رهيفٌ كان هذا الشعور
بريشةٍ يمرُّ علينا 
يرسلنا ..
من الحياة .. 
إلى الفنا
نعود لا نبالي لوهلةٍ 
ثم نظنُّ ..
أن ما زرعه القلبُ 
هو نفسه ..
ما جنا
نهيم بابتسامة حلوة
نطير بعيدا
قلبي و روحي ..
و أنا
و نتوق إلى الأرضِ
يجرفنا الحنين 
و نرى البر منّا ..
قد دنا
هي الحياةُ نريدها
لا نريد مدحاً
أو ثنا
لا نريد من الناس شيئاً
و لا أن نسمع منهم .. 
ملامنا
لا ألمٌ .. لا وجعٌ
لا عذابٌ .. لا عنا
رأينا الكثير الكثيرْ
و ما رأيناه ..
هالنا
سكونٌ .. هدوءٌ
عذبُ الحياةِ
ذاك ما أردنا
و أرادنا
نغمضُ العين مع بسمةٍ
غداً للّه ..
و الآن لنا