منذ وقت طويل وأنا أتابع السياسة الأمريكية بحماس كبير. لم يكن الأمر مجرد اهتمام بأسماء الرؤساء أو نتائج الانتخابات، بل اهتمام حقيقي في فهم هذا النظام المعقد. كيف تُحتسب الأصوات؟ كيف يفوز المرشح؟ ما الفروق بين مجلسي الشيوخ والنواب؟ ما الفرق بين الانتخابات الرئاسية والانتخابات النصفية؟ وكيف تعمل الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين؟ ثم هناك المجمع الانتخابي، ذلك النظام الذي قد يمنح الرئاسة لمرشح لم يحصل على أغلبية أصوات الناخبين.
كنت أستمتع على نحو يصعب تفسيره بمحاولة فك هذه التعقيدات. وربما يعود ذلك إلى قناعة تشكلت لديّ في وقت مبكر: سواءًا أحببنا الولايات المتحدة أو كرهناها واتفقنا مع سياساتها أو عارضناها، فمن الصعب إنكار أنها القوة الأكثر تأثيرًا في العالم اليوم. ما يحدث في أمريكا لا يبقى داخل حدودها، بل يمتد أثره بطريقة أو بأخرى إلى معظم دول العالم.
أتذكر مشهدًا من فيلم The Devil Wears Prada حين تشرح ميراندا بريستلي لمساعدتها أن اللون الأزرق الذي اختارته لسترتها لم يكن قرارًا شخصيًا مستقلًا كما ظنت. كان نتيجة سلسلة طويلة من القرارات بدأت في دور الأزياء الكبرى، ثم انتقلت عبر المصممين والعروض إلى الأسواق والمتاجر وانتهت بملابس رخيصة تُنتج بكميات هائلة.
الفكرة بسيطة، لكنها عميقة جدا. ما نعتقد أنه اختيار فردي صغير قد يكون في الحقيقة نتيجة قرارات اتخذها قبل سنوات وعلى بُعد آلاف الكيلومترات أشخاص لا نعرف أسماءهم حتى.
هكذا فهمت السياسة الأمريكية.
قرارات تُتخذ في واشنطن وصراعات تبدأ داخل الكونغرس وتحالفات تتشكل في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وخطابات يطلقها سياسيون أمريكيون ثم تصل آثارها إلى بغداد وأربيل وبيروت وغزة وطهران، وإلى أماكن أبعد مما نتخيل.
قد تحدد دور الأزياء لون المعطف الذي سترتديه في الشتاء المقبل، أما السياسة الأمريكية فقد تحدد ما إذا كنت ستعيش ذلك الشتاء بسلام أصلًا.
من أكثر التحولات التي لفتت انتباهي خلال السنوات الأخيرة تغير الخطاب السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل، وتجاه نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لها، وفي مقدمتها منظمة AIPAC.
لسنوات طويلة، كان يبدو أن مجرد انتقاد إسرائيل أو التشكيك في حجم تأثير اللوبي المؤيد لها على السياسة الأمريكية قد يكلّف السياسي مستقبله. لم تكن الأصوات المعارضة غائبة تمامًا، لكنها كانت غالبًا محاصرة باتهامات جاهزة، أو معرضة لضغوط سياسية وإعلامية هائلة.
اليوم، بدأت هذه المساحة تتغير.
صرنا نسمع سياسيين أمريكيين يتحدثون بوضوح أكبر عن الأموال التي تتدفق إلى الحملات الانتخابية وعن نفوذ جماعات الضغط، وعن ازدواجية المعايير في التعامل مع حقوق الإنسان وعن الدعم الأمريكي شبه غير المشروط لإسرائيل.
هذا تحول مهم، لا لأنه يعني أن النظام الأمريكي تغير جذريًا بل لأن بعض الأسئلة التي كانت تُعامل بوصفها من المحرمات السياسية أصبحت تُطرح علنًا.
وبالنسبة إليّ فإن كسر احتكار الحديث عن قضية ما هو الخطوة الأولى نحو تغيير طريقة التفكير فيها.
شاهدت مؤخرًا مقطعًا لباراك أوباما وهو يدعم عبد الرحمن السيد، أو عبدول السيد. السياسي الأمريكي من أصول مصرية والمرشح الديمقراطي في ميشيغن. وجدت نفسي أفكر في طبيعة التحالفات السياسية وفي الطريقة التي قد تدفع بها الظروف أشخاصًا مختلفين جدًا في رؤاهم ومواقفهم إلى الوقوف في الجبهة نفسها.
أنا شخصيًا لا أرى باراك أوباما رئيسًا جيدًا ولا أشاركه الصورة المثالية التي يحتفظ بها كثيرون عنه.
فعليًا لا يمكن فصل سنوات حكمه عن مآسي منطقتنا، ولا عن صعود تنظيم داعش ولا عن الكارثة التي لحقت بالعراق وسوريا، ولا عن السياسات الأمريكية التي ساهمت في خلق بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. لديّ أيضًا انتقادات عميقة لدور إدارته وخصوصًا هيلاري كلينتون، في إدارتها لملفات الشرق الأوسط. لكن من المهم التمييز بين المسؤولية السياسية عن القرارات والنتائج، وبين الاتهام المباشر بصناعة تنظيم إرهابي فهذا اتهام يحتاج إلى أدلة لا إلى قناعة سياسية وحدها.
لكل حادثة سياقها ولكل مرحلة أولوياتها.
وقد علمتني متابعة السياسة أن الاتفاق مع شخص في موقف معين لا يعني تبرئته من تاريخه كما أن معارضته في الماضي لا تفرض عليّ رفض كل ما يقوله أو يفعله في الحاضر.
السياسة ليست امتحانًا في الطهارة الأخلاقية ولا يمكن اختزالها دائمًا في معسكر للأخيار وآخر للأشرار ولنا في حسن نصر الله أكبر مثال لهذه الفكرة. أحيانًا تكون المسألة أبسط وأكثر قسوة، هناك خطر أكبر وهذا الخطر يفرض تحالفات لم نكن لنتخيلها قبل سنوات.
وهنا أصل إلى دونالد ترامب.
كنت أعتقد لسنوات طويلة أننا رأينا ما يكفي من الانحدار الأخلاقي في السياسة الأمريكية. الحروب والتدخلات والازدواجية والانتهاكات التي جرى تبريرها تحت شعارات الديمقراطية والحرية وحماية العالم.
ثم جاء ترامب ليكشف أن الانحدار يمكن أن يكون أكثر فجاجة وأكثر دنوًا مما يمكن تصوره!
المشكلة معه ليست أنه اخترع الظلم أو العنصرية أو الاستعلاء الأستعماري الأبيض. فهذه ظواهر لها تاريخ طويل وارتبطت بسياسات وإدارات سبقته بعقود. لكنه قدمها بوقاحة وتنمر وبلطجة وحوّل ما كان السياسيون يحاولون تجميله أو إخفاءه إلى مادة للفخر والاستعراض.
لم تعد المشكلة في ممارسة السياسات السيئة فحسب، بل في الاحتفال بها!
والأخطر من ذلك هو الأثر الذي يتركه وصول شخص بهذه الصفات إلى أعلى منصب في الدولة الأكثر نفوذًا في العالم. فعندما يرى العنصري أن رئيس الولايات المتحدة يتحدث بلغة قريبة من لغته، يشعر بأن عنصريته أصبحت مقبولة. وعندما يرى المتعصب أن إهانة الآخرين والاستهزاء بهم يمكن أن يكونا طريقًا ناجحًا إلى السلطة، يجد في ذلك تشجيعًا على مزيد من التطرف والوقاحة.
ويشعر المؤمن بتفوق الرجل الأبيض أو الكاره للمهاجرين، أو المحتقر للنساء والأقليات بأن أفكاره لم تعد عائقًا أمام النجاح السياسي، بل ربما أصبحت أدوات فعالة لحشد الجماهير.
هذه بالنسبة إليّ إحدى أخطر نتائج ظاهرة ترامب. فهي لا تتعلق بسياسات رئيس فحسب، بل بإعادة تعريف ما يُعد مقبولًا في الخطاب العام. يصبح التنمر قوة، والوقاحة شجاعة والجهل أصالة تُحترم، واحتقار الخبرة تمردًا على النخب.
والغباء هنا ليس مجرد نقص في المعرفة، بل موقف سياسي واجتماعي يُحتفى به! عداء للعلم وسخرية من المثقفين وتشكيك في الحقائق، وترديد لنظريات المؤامرة، ورفض لأبسط المبادئ الإنسانية.
لم تكن هذه الظواهر جديدة، لكنها وجدت من يمنحها الميكروفون الأكبر في العالم.
وحين تصل هذه اللغة إلى البيت الأبيض، فإنها تمنح السياسيين من اليمين والمتطرفين في بقية العالم نموذجًا جاهزًا للتقليد. يصبح بإمكانهم أن يقولوا ولو ضمنيًا إذا كان رئيس أقوى دولة في العالم يتصرف بهذه الطريقة فلماذا يُطلب منا أن نكون أفضل؟
عندها تتحول المسألة من شخص إلى ظاهرة عالمية، ومن انتخابات أمريكية إلى أزمة تمس القيم السياسية والإنسانية نفسها.
بعد كل هذه السنوات أعتقد أن اهتمامي المبكر بالسياسة الأمريكية كان من أكثر الاهتمامات التي ساعدتني على فهم العالم.
ليس لأنني أصبحت أؤمن بالنظام الأمريكي أو أراه نموذجًا مثاليًا للديمقراطية، بل لأنني صرت أقدر على رؤية تناقضاته وفهم طريقة صنع القرارات، ومراقبة تبدل التحالفات، وإدراك كيف يمكن لمجموعات صغيرة من الناخبين أو الممولين أو السياسيين أن تؤثر في مصائر ملايين البشر خارج حدود بلادها.
وأصبحت أؤمن أكثر بأن متابعة الانتخابات الأمريكية ليست شأنًا داخليًا فقط، خصوصًا بالنسبة إلينا نحن الذين عشنا في منطقة دفعت أثمانًا باهظة لقرارات اتُخذت في واشنطن.
لهذا أتابع الانتخابات النصفية المقبلة باهتمام حقيقي، وأتمنى من كل قلبي أن تنجح الأصوات التي تحاول مقاومة المد الترامبي وأن يتمكن بيرني ساندرز وكل من يشاركه الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ومواجهة التطرف من تعزيز حضورهم السياسي.
لا أتوقع أن تتحول الولايات المتحدة إذا فاز الديمقراطيون إلى دولة مثالية. ولا أعتقد أن هزيمة ترامب انتخابيًا ستنهي العنصرية أو الاستعلاء أو التدخلات الأمريكية في العالم.
لكنني أؤمن بوجود فرق بين نظام يرتكب أخطاءه ويحاول على الأقل إخضاعها للنقاش والمساءلة، وبين نظام يحول الأخطاء نفسها إلى شعارات انتخابية، ثم يطالب الناس بالتصفيق لها.
لكنني اليوم أفهم شيئًا لم أكن أفهمه قبلًا.
أن السياسة الأمريكية ليست مجرد قصة عن من سيحكم أمريكا، بل هي إلى حد بعيد قصة عن شكل العالم الذي سنضطر جميعًا إلى العيش فيه في السنوات المقبلة.
وأن أخطر ما يمكن أن يحدث للعالم ليس فقط أن يصل شخص سيئ إلى السلطة، بل أن يقنع ملايين الناس بأن السوء فضيلة والجهل قوة والتنمر شجاعة!
ولاحول ولا قوة إلا بالله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق