الاثنين، 29 سبتمبر، 2014

واقع لا يشبهني




لا أريد هذه الحياة يا أمي ..
لا أريدها نهائيا .. لا أريدها بتاتا .. لا أريدها إطلاقا .. لا أريدها البتة!

لم يكن هذا اتفاقنا .. ولا هذا ما وافقت عليه وأنا اكبر شيئا فشيئا، ولم يكن هذا ماوعدت به نفسي.

دعينا نتفق يا أمي .. أنا لا أستطيع أن أغير العالم، أليس كذلك؟؟ متفقين. ولكنني بالطبع أستطيع أن أحدد المحيط الذي أحيا فيه.
حياتي يجب أن تكون ممتلئة بنقاشات حول آخر إصدارات الكتب، لوحة جديدة لرسام مغمور نتوقع أن "تكسر الدنيا"، أشخاص يتشاركون متعة تذوق وطبخ الطعام الإيطالي، أشخاص يحبون الجميل من الماضي ويبخسون قبيحه، أناس يفرقون بين الحق والباطل ويتفقون على الأقل أن الدم كله حرام.

من أين أتت كل هذه الفوضى؟ أين و متى سيطر أصحاب المصالح والنفاق على كل شئ هكذا ؟؟ متى استطاعت قوات الشر اكتساح العقول بهذه القوة وهذا الإقناع؟؟ متى أصبح القتل عارضا جانبيا في حياة الأمم؟؟ هل تحولنا إلى حيوانات ونحن لا ندري؟ أم أن الزواحف هي صفتنا الحالية و نحن نرى من يزحف بكل تقزز فوق دماء الناس ويهلل لمريقيها؟

أتوق إلى الجمال يا أمي .. هل أطلب الكثير؟ بالله عليك هل أطلب الكثير؟؟ جمال الله في خلقه .. جمال الخلق في تكوينه .. جمال الفكر حين يحول المحبة إلى عبق يتطاير بين الناس .. جمال الأرواح التي تنشر عنفوانها كرحيق ينقله النحل بين زهرات بيضاء، جمال العقل حين يحتفي بأعظم نعم الله وهو يستخدمها .. العقل الذي لا يحتاج إلى دين ولا مذهب ولا قومية ولا لغة ولا جنسية ليعرف أن دم الإنسان على الإنسان حرام دون وجه حق. وأن من يساند و يبرر للقتلة هو قاتل مثلهم ولكن لم تسنح له الفرصة كي يتقلد سلاحا يحيي به من يشاء من عباد الله و يميت به من يشاء.

الجهل يا أمي، الجهل الذي يوجع قلبي كلما أراه أمامي كل دقيقة، ليس الجهل الذي لا نفهمه إلا كشئ يساوي الأمية، إنما الجهل الأكبر، الجهل الأعظم الذي يجعل الأمم تودي بنفسها إلى أعماق الهاوية، الجهل الذي يجعل العبيد يمسكون بالمظلات حين تمطر السماء عليهم حرية، الجهل الذي يجعل الإنسان أسيرا لإنسان غيره فقط لأن الأخير طاغية!

حزينة أنا يا أمي، لم تعتادي مني الحزن أليس كذلك؟ ولكنني حزينة فعلا، ذلك الحزن المترفع الذي لا أحب أن أظهره لغيري، حزينة لأن الفوضى اكتسحت العقول قبل الميادين، حزينة لأن المنطقة الفاصلة بين الصح والخطأ ، بين الحق والباطل أصبحت ضبابية للغاية.

صادمة هي الحقيقة، أليس كذلك؟ لا تهتمي كثيرا. اهتمامك هو ما يعطي للأمور حجمها، وغالبا ما يكون هذا الحجم مغايرا جدا للحجم الحقيقي.

لا تخافي يا أمي عليّ .. لست أنا من تكسرني الدنيا أو تتملك مني الهموم .. غيري لديهم كل شئ وأنا لدي الله .. هو سندي يا أمي في هذه الدنيا وهل أعزّ من الله سندا؟!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق